أحمد مصطفى المراغي
12
تفسير المراغي
( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) يقول سبحانه آمرا رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يعلم جميع خلقه أنه لا يعلم الغيب أحد من أهل السماوات والأرض ، بل اللّه وحده هو الذي يعلم ذلك كما قال : « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » الآية . وقال : « إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ » الآية . والمراد بالغيب الشؤون التي تتعلق بأمور الآخرة وأحوالها ، وشؤون الدنيا التي لا تقع تحت حسّنا وليست في مقدورنا . وعن مسروق عن عائشة رضى اللّه عنها أنها قالت : من زعم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يعلم ما يكون في غد فقد أعظم الفرية على اللّه ، لأن اللّه يقول : « قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ » ثم ذكر بعض ذلك الغيب فقال : ( وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) أي وما يدرى من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة كما قال : « ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً » أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض فلا يشعرون بها ، بل تأتيهم فجأة . ثم أكد جهلهم بهذا اليوم بقوله : ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) أي بل انتهى علمهم وعجزهم عن معرفة وقتها فلم يكن لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسباب العلم ، وليس المراد أنه كان لهم علم بوقتها على الحقيقة فانتفى شيئا فشيئا ، بل المراد أن أسباب العلم ومبادئه من الدلائل العقلية والنقلية ضعفت في اعتبارهم شيئا فشيئا كلما تأملوا فيها حتى لم يعد لها قيمة وكأن لم تكن . ثم انتقل من وصفهم بالجهل بميقاتها إلى الحيرة في الآخرة نفسها ، أتكون أو لا تكون ؟ فقال :